أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
284
العقد الفريد
شدة الفرق « 1 » ، وعلى رأسه عمامة خزّ خضراء ، وجعل يشخص إليّ ببصره ساعة كالمتوهم ، ثم يعود إلى قراءة الكتاب ويلاحظني النظر كالمتفهّم ، إلا أنه واجم « 2 » ؛ ثم يعاود الكتاب ، وإني لأقول : ما أراه يثبت حروفه ؛ من شدة اضطراب يده ، حتى استقصى قراءته ؛ ثم مالت يده حتى وقع الكتاب على الفراش ، ورجع إليه ذهنه ، فمسح العرق عن جبينه ثم قال متمثلا : وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع « 3 » ثم قال : قبح واللّه منا الحسن يا نباتة ، وتواكلتنا عند أمير المؤمنين الألسن ، وما هذا إلا سانح فكرة نمقها مرصد يكلب بقصتنا ، مع حسن رأي أمير المؤمنين فينا . يا غلام ! فتبادر الغلمان الصيحة ، فملئ علينا منهم المجلس ، حتى دفأتني « 4 » منهم الأنفاس ، فقال : الدواة والقرطاس . فأتي بداوة وقرطاس ، فكتب بيده ، وما رفع القلم مستمدا حتى سطر مثل خد الفرس ، فلما فرغ قال لي يا نباتة ، هل علمت ما جئت به فنسمعك ما كتبنا ؟ قلت : لا . قال : إذا حسبك منا مثله . ثم ناولني الجواب ، وأمر لي بجائزة فأجزل ، وجرّد لي كساء ودعا لي بطعام فأكلت ثم قال : نكلك « 5 » إلى ما أمرت به من عجلة أو توان ، وإني لأحب مقارنتك والأنس برؤيتك . فقلت : كان معي قفل مفتاحه عندك ، ومفتاح قفلك عندي ، فأحدثت لك العافية بأمرين : فاقفلت المكروه وفتحت العافية ، وما ساءني ذلك وما أحب أن أزيدك بيانا ، وحسبك من استعجال القيام . ثم نهضت وقام مودعا لي ، فالتزمني وقال : بأبي أنت وأمي ، رب لفظة مسموعة ومحتقر نافع ؛ فكن كما أظن . فخرجت مستقبلا وجهي حتى وردت أمير المؤمنين ، فوجدته منصرفا من صلاة
--> ( 1 ) الفرق : الفزع . ( 2 ) واجم : العابس لشدة الحزن أو الفزع . ( 3 ) التميمة : ما يعلق في العنق لدفع العين . ( 4 ) دفأتني : اسخنتني . ( 5 ) نكلك : نسلمك .